أبو البقاء الرندي يرثي الأندلس

توفي في أواخر القرن السابع

 

المناسبـة:

أخذت سيطرة العرب، في نهاية حكمهم لبلاد الأندلس، تتضاءل شيئاً فشيئاً، بسقوط بعض المدن الإسلامية الهامة، في أيدي الفرنجة، وأصبحت البلاد تروّع كلّ يوم، بغارات الأعداء دون أن تجد قوة إسلامية، تصد الزحف الصليبي المتوغل، وقد أدرك المفكرون هول الخطر الراصد، فانطلق الشعراء والأدباء، يصوّرون النهاية المتوقعة، في حسرة بالغة، ومما قيل في هذه المأساة ما نقدّمه الآن من أبيات صاغها شاعر متفجع يبكي الوطن الضائع، ويحذّر المسلمين في شتى البقاع.

 

النـص:

 

لكلّ شيءٍ - إذا مَــا تَمَّّّ- نقْصَان

فلاَ يُغرَّ بِطــيبِ العَيْـشِ إنْسـانُ

 

 

هِيَ الأُمورُ - كما شَاهدتَهَا - دُوَلٌ

مَنْ سَرُّه زَمَــنٌ ســاءَتْه أزمـانُ

 

 

وَهذِه الدّارُ لا تُبْقــي على أحَدٍ

وّلا يــدومُ عَلىَ حـالٍ لها شَـانُ

 

 

أيْنَ الملـوك ذوو التّيجانِ من يَمَنٍ

وَأيْنَ منــهم أكاليلٌ وتيـجـانُ؟

 

 

وأيْن ما شَادَهُ شـــدّادُ في إرَمٍ 

وأيْنَ مَا سَاسَهُ في الفُرسِِ سَاسَـانُ؟

 

 

أتى عَلىَ الكــلِّ أمر لاَ مَرَدَّ لَهُ

حتّى قضوْا فكــأنّ القَوْمَ مَا كَانوا

 

 

وَصَار مَا كانَ مِن مُلْكٍ ومن مَلِكٍ

كَما حَكَى عن خيَالِ الطّيفِ وَسْنَانُ

 

 

دَهَى الجزيرةَ أمرٌ لا عـــزاءَ له

هَوَى لَهُ أُحُدٌ وانــــهدّ ثَهْلاَنُ

 

 

أَعِنْدكم نبأٌ عَـــنْ أهلِ أندلسٍ

فقد مَضى بحديــث القومِ رُكْبَانُ؟

 

 

تبْكي الحنيفيّةُ البيضاءُ مـن أسفٍ

كما بكى لِفراقِ الإلْـــفِ هيْمانُ

 

 

عَلى دِيارٍ من الإســلام خاليةٍ

قدْ أَقفرتْ ولها بالكـــفرِ عُمرانُ

 

 

حيث المساجدُ قد صَارَتْ كنائسَ ما

فيهنّ إلاّ نـواقـيـسٌ وَصُلْــبَانُ

 

 

حتى المْحارِيبُ تَبْكي وهي جَامدةٌ

حتى المنابر تـرْثي وهـي عـيـدانُ

 

 

كم يسْتغثُ بها المسـتضْعفُون وهُم

قَتْلىَ وأسْــــرىَ فما يهتز إنْسَانُ

 

 

ماذَا التقاطعٌ في الإسْــلاَمِ بَيْنَكُمُ

وأنْتُـمُ يا عبـــــَادَ الله إخْوانُ!

 

 

لمثلِ هذا يذوبُ القلـبُ من كَمدٍ

إنْ كانَ في القَلْـبِ إســلامٌ وإيمانُ

 

 

التعرف بالشاعـر:

هو أبو البقاء صالح بن شريف الرنّدي، عاشَ في النصف الثاني من القرن السابع الهجري، وعاصر الفتن والاضطرابات التي حدثت من الداخل والخارج في بلاد الأندلس وشهد سقوط معظم القواعد الأندلسية في يد الأسبان، وحياتُه التفصيلية تكاد تكون مجهولة، ولولا شهرة هذه القصيدة وتناقلها بين الناس ما ذكرته كتب الأدب، وإن كان له غيرها مما لم يشتهر، توفي في النصف الثاني من القرن السابع ولا نعلم سنة وفاته على التحديد.

 


اللغويات:

:  معناها                

الكلمة

:      معناها

الكلمة

: يخدع                  

يغرّ

: نائم

وسنان

: منتقلة لا تثبت على حال       

دُوَل

: نزل بها في قسوة

دهى

:  المراد بها هنا الحياة          

الدار

: بلاد الأندلس

الجزيرة

: منزلة                       

شأن

: صبر وتسلي

عزاء

: هم الحميريّون والسبئيون  و كانوا أصحاب سلطان

ملوك اليمن

: جبلان عظيمان في  جزيرة العرب

أُحد وثهلان

: جمع إكليل وهو ما  يوضع فوق رأس الملك

أكاليل

: الملة الإسلاميّة ويريد  بها الشريعة

الحنيفية

: شيده وبناه                   

شاده

: الحبيب

الإلف

: ملكٌ حميريٌ في اليمن       

شداد

: مشتاق عشق

هيمان

: مدينة تاريخية كانت مضرب المثل يروعتها     

إرم

: خلت

أقفرت

: ملك الفرس              

ساسان

: أجراس  

نواقيس

 : جمع محراب مكان  القبلة

محاريب

: حكمه وملكه

ساسه

: جمع عود ويراد به  خشب المنبر

عيدان

: لا دافع 

لا مردّ

: ما يُرى في الحلم 

خيال الطيف

: هلكوا وبادوا

قضوا

  : حُزن

   كمد

: التباعد والتفرق  

التقاطع


التعليـق:

بدأ الشاعر قصيدته في لوعة متعظة، وعبرةٍ مفكرة، فهو يقرن الماضي بالحاضر، ويقيس الغائب على الشاهد فيرى أن لكل شيء نهاية، ولكل تمام نقصاناً، فعلى العاقل ألاّ يخدع بما يرى من عيش هانىء فوراء ذلك خطوب وأهوال، لأنّ الأيام دول تتقلّب، ومَنْ صرّه زمن، فلا بد أن يُسيئه زمن تال، ثم كرّر هذا المعنى مما يدل على تأثره وانفعاله، وميله إلى اليأس والتشاؤم.

ومضى الشاعر يقلّب صفحات التاريخ الغابر، فيتساءل عن الملوك ذوي التيجان، ممن كانوا يحكون اليمن، ويسيطرون على الناس ببأسهم الغالب، وقد بنوا المدائن الشهيرة، فما بقيت وما بقوا، ويمضي في تساؤله، فيبحثُ عن مصير بلاد الفرس، وما أعدّه ساسان فيها من ذخيرة وعتاد، ثم يُجيبُ عن ذلك كله، بأن الخاتمة الموهوبة قد لحقتهم، فذهبت ريحهم، وقضي عليهم حكم القدر فأصبحوا أثراً بعد عين، وطاروا كالأحلام الذاهبة أثناء النوم دون بقاء.

بعد هذه النظرات الحكيمة والتأملات البصيرة، في صفحات التاريخ الغابر، ينتقل الشاعر من الماضي البعيد، إلى الحاضر المشاهد، فيعلن أن جزيرة الأندلس، قد دُهيت بما يزلزل الجبال من الخطوب، وقد اشتهرت نكباتها بين الناس، إذ مضى بحديثها الركبان! وهو حديثٌ مُؤلمٌ فاجعٌ، أتى على الإسلام في أمنع حصونه فبكت الشريعة من أسف لما حل بأهلها من خطوب! وما لها لا تبكي على  ديار خلتْ من الإسلام، وعمرت بالكفر، فالمساجد الإسلامية تحولت إلى كنائس مسيحية، ترن فيها النواقيس بعد أن شرفت بالأذان، والمحاريبُ ريعت لهولِ ما نزل، فبكت وهي من جماد، وكذلك المنابر أعلنت فجيعتها. وهي من أخشاب! أما أصحابها المستضعفون، فهم ما بين أسير وقتل، يبكون

ويضجون، دون أن يجدوا من إخوانهم في البلاد الإسلامية، من يفزع لإغاثة الملهوف، وعون الشاكي الجزوع! وهذا التخاذل المُؤسفُ لا يدلّ على أخوّة صحيحة، وتعاون صادق، ولمثل هذا التخاذل المؤلم يذوب القلب، وتتفتت الأكباد.

 

الخصائص الفنيـة:

القصيدة صرخة حزينة تعلن فَزَعَ صاحِبها اللهيف، وهو في تصوير عواطفه كالخطيب منفعل يتحدّث بسهولة لا تعرف التنميق، والاتئاد، بل يرسلُ عواطفه الحزينة في تدفق، لذلك يكرر بعض المعاني ويُعيد بعض الصور، لأنه يريد أن يؤثر بما يملك من بيان.

والصورُ الأدبيّةِ بها ليست بالكثرة التي تدل على هدوء النفس، وسعة التأمل،، ولكنها مع ذلك تدل على شاعرية موفّقة! فالحنيفيّة تبكي، والمحاريبُ تئن، والمنابر ترثي! كل ذلك تصوير طبيعي هادئ.

وثقافة الشّاعر التاريخيّة واضحة، فهو يستعين بما يعرف من أحداث الزمان ليضرب الأمثلة على تقلّب الأيام، وفواجع الدهر، وقد سلك جانب الوضوح السهل لأنه يخاطب العامة، ولا ينظم القصيدة ليُقال إنه شاعر مصوّرٌ ذو إبداع، بل ليحرّك العواطف بكلام طبيعي يَنتقلُ عفواً من خاطره، وهو مع ذلك مؤثر تمامَ التأثير، لأنه صادق مخلص، لا يتكلّف ولا يفتعل.

وقد اشتهرت تلك القصيدة لذلك، ونالت حظّاً بعيداً في التداول بين الناس، وقد نظمت قصائد كثيرة في هذا الموضوع تفوق هذه القصيدة قوة وتأثيراً، ولكنها مع ذلك لم تبلغ شهرة هذه القصيدة.

 

أسئلـة:

1- ما المناسبة التي دفعت أبا البقاء إلى نظم هذه القصيدة؟

2- لماذا قلّت الصور الأدبيّة لدى الشاعر وبم اعتاض عنها!

3- وضح كيف استعان الشاعر في قصيدته بحوادث التاريخ وأحداث الزمان!

4- اختر بعض الأبيات التي أثرت في نفسك واشرحها شرحا أدبياً.

5- وضح معاني الكلمات:

ثهلان - ساسان - إرم - الطيف - هيمان.